درجة التوحد: الأعراض، التشخيص، ودرجاته المختلفة

مقدمة عن درجة التوحد

اضطراب طيف التوحد هو حالة عصبية نمائية تظهر في مرحلة الطفولة المبكرة وتؤثر على التواصل الاجتماعي والسلوك. لم يعد الأطباء يستخدمون تشخيصات منفصلة مثل متلازمة أسبرجر أو اضطراب النمو الشامل، بل أصبحوا يشخصون الحالة تحت مسمى واحد هو اضطراب طيف التوحد، ثم يحددون درجة شدتها. هذه الدرجات تعكس مقدار الدعم الذي يحتاجه الشخص في حياته اليومية. فهم درجة التوحد يساعد الأهل والمختصين على وضع خطط تدخل مناسبة وتحسين جودة حياة المصاب. في هذا المقال سنستعرض الأعراض العامة للتوحد، ونظام التصنيف الجديد القائم على ثلاث درجات، وكيفية التشخيص، وأهمية كل درجة في تحديد الرعاية المطلوبة.

درجة التوحد: الأعراض، التشخيص، ودرجاته المختلفة - 1

الأعراض العامة لاضطراب طيف التوحد

قبل الحديث عن الدرجات، من المهم فهم الأعراض المشتركة التي تظهر لدى جميع المصابين بالتوحد، وإن اختلفت شدتها. تنقسم هذه الأعراض إلى مجالين رئيسيين: الأول هو صعوبات التواصل الاجتماعي والتفاعل، والثاني هو السلوكيات المقيدة والمتكررة. في مجال التواصل، قد يجد الطفل صعوبة في بدء المحادثة أو الاستمرار فيها، وقد لا يستجيب عند مناداته باسمه، أو يتجنب الاتصال البصري. أما في مجال السلوك، فقد يظهر حركات نمطية مثل رفرفة اليدين أو التأرجح، وقد يكون شديد التعلق بالروتين ويشعر بضيق شديد عند أي تغيير. بعض الأطفال يعانون من حساسية زائدة تجاه الأصوات أو الأضواء أو الملمس، بينما يظهر آخرون حساسية منخفضة تجاه الألم أو الحرارة. من المهم ملاحظة أن هذه الأعراض تظهر في مرحلة الطفولة المبكرة، عادة قبل سن الثالثة، لكن في بعض الحالات الخفيفة قد لا تصبح واضحة إلا عندما تكبر المتطلبات الاجتماعية على الطفل.

درجة التوحد: الأعراض، التشخيص، ودرجاته المختلفة - 2

نظام التصنيف حسب الدليل التشخيصي DSM-5

في عام 2013، أصدرت الجمعية الأمريكية للطب النفسي النسخة الخامسة من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية. أحدث هذا الدليل تغييرا جوهريا في طريقة تشخيص التوحد. لم يعد هناك تقسيم إلى أنواع فرعية مثل التوحد الكلاسيكي أو أسبرجر، بل أصبح التشخيص موحدا تحت مسمى اضطراب طيف التوحد. ثم يقسم الدليل الحالة إلى ثلاث درجات بناء على مقدار الدعم الذي يحتاجه الشخص. هذه الدرجات تركز على شدة الأعراض وتأثيرها على الأداء اليومي، وليس على مستوى الذكاء. فالشخص ذو الذكاء المرتفع قد يكون في الدرجة الأولى، بينما شخص آخر ذو قدرات ذهنية أقل قد يكون في الدرجة الثالثة. يعتمد هذا التصنيف على ملاحظة المختصين للفرد في سياقات مختلفة لتحديد مستوى الدعم المطلوب.

درجة التوحد: الأعراض، التشخيص، ودرجاته المختلفة - 3

المستوى الأول: دعم بسيط

هذه هي الدرجة الأخف من التوحد. الأشخاص في المستوى الأول يمكنهم التحدث بطلاقة والعيش بشكل مستقل إلى حد كبير، لكنهم يواجهون صعوبات ملحوظة في التفاعل الاجتماعي. قد يجدون صعوبة في بدء الصداقات أو فهم الإشارات الاجتماعية غير المباشرة، مثل لغة الجسد أو نبرة الصوت. غالبا ما يظهرون اهتمامات محدودة جدا ويتحدثون عنها بشكل مكثف دون الانتباه إلى استجابة الطرف الآخر. التغيير في الروتين اليومي يسبب لهم قلقا ملحوظا، لكنهم يستطيعون التكيف إذا تلقوا الدعم المناسب. في المدرسة أو العمل، يحتاجون إلى بعض التوجيهات الواضحة والجداول المنظمة لتحقيق النجاح. كثير من الأشخاص في هذه الدرجة يعيشون حياة منتجة ويزيدون مجتمعهم بخبراتهم الفريدة، خاصة عندما يتلقون دعماً اجتماعياً وتعليمياً مناسباً. لا يعني الدعم البسيط أن الأعراض غير موجودة، بل يعني أن الشخص قادر على التعامل مع معظم متطلبات الحياة اليومية بمساعدة محدودة.

درجة التوحد: الأعراض، التشخيص، ودرجاته المختلفة - 4

المستوى الثاني: دعم كبير

في هذه الدرجة، تكون الصعوبات أكثر وضوحا وتتطلب تدخلاً منتظماً. التواصل اللفظي وغير اللفظي محدود بشكل ملحوظ. الشخص في المستوى الثاني قد يتحدث بجمل قصيرة أو بسيطة، ويجد صعوبة كبيرة في التفاعل مع الآخرين حتى مع وجود الدعم. التفاعلات الاجتماعية محدودة ونادرا ما يبادر الشخص بالتواصل. السلوكيات المقيدة والمتكررة تظهر بشكل متكرر وتكون واضحة للآخرين، وقد تسبب ضيقاً عند محاولة مقاطعتها. التكيف مع التغيير صعب جدا، وقد يحتاج الشخص إلى تحضير مسبق وتدريجي لأي تغيير في الجدول أو البيئة. يحتاج هؤلاء الأفراد إلى دعم كبير في المهارات الحياتية اليومية مثل ارتداء الملابس أو تنظيف الأسنان أو إدارة الوقت. على عكس المستوى الأول، حيث يكون الدعم مطلوباً في مواقف محددة، فإن الدعم هنا مطلوب بشكل يومي ومنتظم. مدارس التربية الخاصة أو برامج التدخل المكثفة غالبا ما تكون الخيار الأنسب لهذه الفئة.

درجة التوحد: الأعراض، التشخيص، ودرجاته المختلفة - 5

المستوى الثالث: دعم كبير جدا

هذه هي الدرجة الأكثر شدة من التوحد. الأشخاص في هذا المستوى يعانون من عجز شديد في التواصل اللفظي وغير اللفظي. بعضهم لا يتحدثون نهائيا، أو يستخدمون بضع كلمات فقط للتواصل مع الاحتياجات الأساسية. الاستجابة للتفاعل الاجتماعي محدودة جدا، وقد يبدو الشخص منعزلاً تماماً عن الآخرين. السلوكيات المتكررة والحركات النمطية تكون شديدة وتؤثر على قدرته على المشاركة في الأنشطة اليومية. التغيير في البيئة أو الروتين يسبب ضيقاً شديداً قد يصل إلى نوبات من الغضب أو الانسحاب الكامل. يحتاج هؤلاء الأفراد إلى إشراف ورعاية مستمرين طوال اليوم. غالباً ما يعانون من إعاقات ذهنية مصاحبة، لكن هذا ليس شرطاً للتشخيص. الدعم هنا يشمل المساعدة في جميع الأنشطة الأساسية مثل الأكل والشرب والنظافة الشخصية. الهدف من التدخل هو تحسين جودة الحياة وتقليل السلوكيات المزعجة وزيادة التواصل بأي وسيلة ممكنة، سواء كانت لفظية أو عبر أجهزة التواصل المعزز.

جدول مقارنة بين درجات التوحد الثلاث

المعيارالمستوى الأول دعم بسيطالمستوى الثاني دعم كبيرالمستوى الثالث دعم كبير جدا
التواصل اللفظيطلاقة لغوية طبيعية لكن بصعوبات اجتماعيةجمل قصيرة أو مفردات محدودةقليل جدا أو معدوم مع اعتماد على طرق بديلة
التفاعل الاجتماعيصعوبة في بدء المحادثة وفهم الإشاراتتفاعل محدود حتى مع الدعم المباشراستجابة ضئيلة للآخرين وعزلة واضحة
السلوكيات المتكررةتظهر عند الإجهاد أو التغيير لكن يمكن إدارتهامتكررة وتؤثر على الأداء اليوميشديدة وتستحوذ على النشاط اليومي
الحاجة للدعمدعم في مواقف اجتماعية وتنظيمية محددةدعم يومي في الروتين والمهارات الأساسيةإشراف دائم على جميع الأنشطة اليومية

قائمة بالخصائص الرئيسية لكل درجة

  • المستوى الأول: قدرة على الكلام المستقل، صعوبات في تكوين الصداقات وفهم التلميحات الاجتماعية، اهتمامات محدودة، حساسية للتغيير، يحتاج دعما تنظيميا بسيطا.
  • المستوى الثاني: لغة محدودة أو غير منتظمة، تفاعل اجتماعي قليل جدا، سلوكيات نمطية واضحة تحتاج إلى مقاطعة، حاجة إلى دعم يومي في الأنشطة الحياتية، صعوبة كبيرة في التكيف مع التغيير.
  • المستوى الثالث: تواصل لفظي نادر أو مستحيل، استجابة ضعيفة للآخرين، سلوكيات متكررة شديدة تعوق المشاركة، حاجة إلى رعاية شاملة على مدار الساعة، إعاقة ذهنية مصاحبة في معظم الحالات.

كيف يتم تشخيص درجة التوحد

تشخيص درجة التوحد ليس مجرد اختبار واحد، بل عملية تقييم شاملة يقوم بها فريق متعدد التخصصات. يبدأ الطبيب بأخذ تاريخ طبي ونمائي مفصل من الأهل، ويسأل عن مراحل النمو المبكرة مثل متى بدأ الطفل المشي والكلام، وعن أي سلوكيات غير معتادة. ثم يستخدم مقاييس موحدة مثل مقاييس الملاحظة التشخيصية للتوحد واختبار المقابلة التشخيصية للتوحد التي تقيس التفاعل الاجتماعي والتواصل والسلوك. بعد ذلك، يقيم المختصون المهارات التكيفية للطفل في المنزل والمدرسة. لتحديد الدرجة، ينظر الفريق إلى مدى تأثير الأعراض على الأداء اليومي. هل يستطيع الطفل الذهاب إلى المدرسة العادية مع دعم بسيط؟ هل يحتاج إلى فصل دراسي خاص؟ هل يحتاج إلى مساعدة في الأكل واللبس؟ هذه الأسئلة تحدد ما إذا كان الدعم المطلوب بسيطاً أو كبيراً أو كبيراً جداً. من المهم ملاحظة أن الدرجة يمكن أن تتغير بمرور الوقت مع التدخل والدعم المناسبين. بعض الأطفال في المستوى الثالث قد يتطورون إلى المستوى الثاني أو الأول مع برامج العلاج المكثفة المبكرة. التقييم المستمر ضروري لأن احتياجات الدعم تتغير مع العمر والظروف.

أهمية تحديد درجة التوحد في العلاج

تحديد درجة التوحد ليس مجرد تصنيف أكاديمي، بل له أهمية عملية كبيرة في تخطيط العلاج. فكل درجة تتطلب استراتيجيات تدخل مختلفة. بالنسبة للأشخاص في المستوى الأول، قد يكون التركيز على التدريب على المهارات الاجتماعية والعلاج المعرفي السلوكي لإدارة القلق وتطوير استراتيجيات التكيف. أما في المستوى الثاني، فتركز البرامج على تحليل السلوك التطبيقي المكثف لتعليم مهارات التواصل والاستقلالية، بالإضافة إلى العلاج الوظيفي والكلامي بشكل منتظم. في المستوى الثالث، يحتاج الشخص إلى برامج شاملة تشمل الرعاية الطبية المستمرة، العلاج السلوكي المكثف، التواصل المعزز باستخدام الصور أو اللوحات الإلكترونية، والتدخل المبكر جدا. معرفة الدرجة تساعد الأهل على توقع التحديات والتخطيط للمستقبل. كما تساعد المدارس على تخصيص الموارد المناسبة، مثل وجود مساعد تدريس أو غرفة هدوء. على المستوى المجتمعي، فهم درجات التوحد ينشر الوعي بأن التوحد ليس حالة واحدة بل طيف واسع، وأن كل شخص على هذا الطيف فريد ويحتاج إلى دعم مخصص. لا تتردد في مراجعة المصادر الموثوقة مثل منظمة الصحة العالمية للحصول على إحصائيات حديثة عن انتشار التوحد في العالم، أو الاطلاع على موقع المعهد الوطني للصحة النفسية لفهم الأسس العلمية للتشخيص والتصنيف.

المراجع

American Psychiatric Association. Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders, Fifth Edition (DSM-5). Washington, DC: American Psychiatric Association, 2013. - Autism Speaks. What Is Autism? Understanding the Levels of Autism. Available at: https://www.autismspeaks.org/what-autism/types-autism. - منظمة الصحة العالمية. اضطرابات طيف التوحد. متاح على: https://www.who.int/news-room/fact-sheets/detail/autism-spectrum-disorders. - المعهد الوطني للصحة النفسية. اضطراب طيف التوحد. متاح على: https://www.nimh.nih.gov/health/topics/autism-spectrum-disorders-asd.

التوحد اضطراب طيف التوحد الصحة النفسية الأعراض التشخيص الأطفال البالغين
تنبيه هذه المعلومات للتوعية فقط ولا تغني عن استشارة الطبيب المختص.
المؤلف

Stefano Barcellos

مساهم في Visite Barbados.

« المنشور السابق
جدول العلامات الحيوية: القياس والمتابعة الطبية

منشورات ذات صلة