التعاونية: مفهومها وأهميتها في التنمية الاقتصادية

مفهوم التعاونية وجذورها الفكرية

التعاونية هي كيان اقتصادي واجتماعي فريد من نوعه، إذ تقوم على مبدأ العمل الجماعي الطوعي بين مجموعة من الأفراد الذين يجمعهم هدف مشترك. وفقا للتعريف الرسمي للتحالف التعاوني الدولي، فإن التعاونية هي اتحاد مستقل للأشخاص يجتمعون طواعية لتلبية احتياجاتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المشتركة من خلال مؤسسة مملوكة بشكل مشترك وتدار ديمقراطيا. هذا التعريف يضع الإنسان في مركز العملية الاقتصادية، بعيدا عن هاجس الربح الفردي الذي يسود الشركات التقليدية. التعاونيات ليست ظاهرة حديثة، بل تمتد جذورها إلى حركات اجتماعية قديمة سعت إلى تحقيق العدالة الاقتصادية من خلال التضامن والتعاون. الفكرة الأساسية بسيطة وهي أن الأفراد عندما يتحدون فإنهم يكتسبون قوة تفوق مجموع قواهم الفردية. في عصر العولمة والتفاوت الاقتصادي المتزايد، تبرز التعاونيات كنموذج بديل يقدم حلولا عملية لمشاكل البطالة والفقر والتهميش الاجتماعي.

التعاونية في جوهرها هي مشروع جماعي يهدف إلى تلبية احتياجات أعضائها وليس إلى تعظيم أرباح المساهمين. هذا الاختلاف الجوهري في الهدف يجعل التعاونيات أكثر استقرارا في أوقات الأزمات الاقتصادية، لأنها لا تخضع لتقلبات أسواق المال ولا تطرد موظفيها عند أول علامة تراجع في الإيرادات. بدلا من ذلك، تسعى إلى توزيع الفوائد على الأعضاء بطريقة عادلة، وإعادة استثمار الفائض في تطوير المشروع وخدمة المجتمع. هذا النموذج أثبت نجاحه في قطاعات متعددة، من الزراعة والثروة الحيوانية إلى الخدمات المصرفية والرعاية الصحية والإسكان. على سبيل المثال، تلعب التعاونيات الزراعية دورا محوريا في تمكين المزارعين من الوصول إلى الأسواق بأسعار أفضل، وتوفير المدخلات الزراعية بتكلفة أقل، ما يزيد من دخلهم ويحسن مستوى معيشتهم.

المبادئ الأساسية للتعاونيات

تستند التعاونيات إلى مجموعة من المبادئ التي تضمن بقاءها وفية لرسالتها الاجتماعية. هذه المبادئ سبعة، اعتمدها التحالف التعاوني الدولي كدليل عالمي لعمل التعاونيات في كل مكان. المبدأ الأول هو العضوية الطوعية المفتوحة، مما يعني أن أي شخص يستطيع الانضمام إلى التعاونية دون تمييز على أساس الجنس أو العرق أو الدين أو الوضع السياسي. المبدأ الثاني هو الرقابة الديمقراطية من قبل الأعضاء، حيث لكل عضو صوت واحد بغض النظر عن حجم مساهمته المالية، وهذا يضمن تكافؤ الفرص في اتخاذ القرارات. المبدأ الثالث هو المشاركة الاقتصادية للأعضاء، حيث يساهم الأعضاء برأس المال بشكل عادل ويديرون أموال التعاونية بشفافية. المبدأ الرابع هو الاستقلال والحكم الذاتي، إذ تبقى التعاونيات كيانات مستقلة تسيطر عليها أعضاؤها حتى إذا دخلت في شراكات مع حكومات أو مؤسسات خاصة. المبدأ الخامس هو التعليم والتدريب والإعلام، حيث توفر التعاونيات التدريب لأعضائها وموظفيها وتنشر الوعي حول مبادئ التعاون. المبدأ السادس هو التعاون بين التعاونيات، ما يعني العمل معا من خلال الهياكل المحلية والوطنية والدولية لتعزيز الحركة التعاونية. المبدأ السابع هو الاهتمام بالمجتمع، حيث تسعى التعاونيات إلى التنمية المستدامة لمجتمعاتها المحلية من خلال السياسات التي توافقها أعضاؤها.

التعاونية: مفهومها وأهميتها في التنمية الاقتصادية - 1

هذه المبادئ ليست مجرد شعارات، بل هي أدوات عملية تضبط سلوك التعاونيات وتجعلها مسؤولة اجتماعيا. إنها تحول التعاونية من مجرد شركة عادية إلى مؤسسة ذات رسالة تهدف إلى بناء مجتمع أكثر عدالة وتماسكا. على سبيل المثال، مبدأ المشاركة الاقتصادية يعني أن الأعضاء لا يساهمون فقط برأس المال، بل يشاركون أيضا في توزيع الأرباح وفقا لتعاملاتهم مع التعاونية، وليس وفقا لعدد الأسهم التي يمتلكونها. هذا يشجع على الاستخدام الفعال لخدمات التعاونية بدلا من المضاربة المالية.

فيما يلي قائمة بالمبادئ السبعة الأساسية للتعاونيات وفقا للتحالف التعاوني الدولي:

  • العضوية الطوعية المفتوحة للجميع دون تمييز
  • الرقابة الديمقراطية من قبل الأعضاء على أساس صوت واحد لكل عضو
  • المشاركة الاقتصادية العادلة للأعضاء في رأس المال والأرباح
  • الاستقلال والحكم الذاتي للتعاونية ككيان مستقل
  • التعليم والتدريب المستمر للأعضاء والموظفين والمجتمع
  • التعاون بين التعاونيات على المستويات المحلية والدولية
  • الاهتمام بالمجتمع والتنمية المستدامة للمنطقة المحيطة

هذه المبادئ تجعل التعاونية نموذجا فريدا يجمع بين الكفاءة الاقتصادية والمسؤولية الاجتماعية. إنها تضمن أن تظل التعاونية أداة في خدمة الناس وليس العكس.

التعاونية: مفهومها وأهميتها في التنمية الاقتصادية - 2

حجم التعاونيات على المستوى العالمي

لا يمكن الحديث عن التعاونيات دون الإشارة إلى الحجم الهائل الذي بلغته هذه الحركة على الصعيد العالمي. وفقا لأحدث البيانات الصادرة عن التحالف التعاوني الدولي والأمم المتحدة، يوجد اليوم حوالي ثلاثة ملايين تعاونية في العالم، تخدم أكثر من 12 بالمئة من سكان الكرة الأرضية، أي ما يعادل تقريبا مليار شخص. هذا الرقم وحده يظهر أن التعاونيات ليست مجرد ظاهرة هامشية، بل هي قوة اقتصادية واجتماعية كبرى لا يمكن تجاهلها. تنتشر التعاونيات في جميع القارات وفي جميع القطاعات الاقتصادية تقريبا. الدول الأكثر تقدما في هذا المجال هي تلك التي تمتلك تقاليد طويلة في العمل التعاوني، مثل إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وكندا والهند وكينيا. في إيطاليا على سبيل المثال، تساهم التعاونيات بنسبة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي وفي بعض المناطق تلعب دورا رئيسيا في توفير الخدمات الاجتماعية والرعاية الصحية.

ما يثير الدهشة حقا هو أن التعاونيات أثبتت صلابتها حتى في أحلك الظروف الاقتصادية. خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008، سجلت التعاونيات المصرفية أداء أفضل بكثير من البنوك التجارية التقليدية. هذا ليس مصادفة، بل يعود إلى طبيعتها الحذرة في إدارة المخاطر، وتركيزها على خدمة الأعضاء والمجتمع المحلي بدلا من الانخراط في مضاربات مالية محفوفة بالمخاطر. التعاونيات تولد الثقة لأنها مملوكة من قبل أولئك الذين يستخدمون خدماتها. هذه الثقة هي رأس مال لا يقدر بثمن في عالم اقتصادي يعاني من أزمات متكررة.

الأثر الاقتصادي للتعاونيات

الأثر الاقتصادي للتعاونيات على المستوى العالمي مذهل ويتجاوز بكثير ما يتصوره الكثيرون. وفقا لتقرير المرصد التعاوني العالمي الصادر بدعم من الأمم المتحدة، توفر التعاونيات فرص عمل أو فرص عمل لحوالي 280 مليون شخص، أي حوالي 10 بالمئة من إجمالي القوى العاملة في العالم. هذا يعني أن التعاونيات هي من بين أكبر أرباب العمل على مستوى العالم. ليس هذا فحسب، بل إن أكبر 300 تعاونية في العالم تحقق مجتمعة إيرادات سنوية تقدر بحوالي 2.4 تريليون دولار أمريكي. هذا رقم ضخم يعادل الناتج المحلي الإجمالي لبعض الدول الكبرى. الأهم من ذلك هو أن هذه الإيرادات لا تذهب إلى جيوب عدد قليل من المساهمين، بل يعاد توزيع جزء كبير منها على الأعضاء والمجتمعات المحلية.

التعاونية: مفهومها وأهميتها في التنمية الاقتصادية - 3

التعاونيات تساهم أيضا في تحقيق أهداف التنمية المستدامة التي حددتها الأمم المتحدة. فهي تعزز العمل اللائق والنمو الاقتصادي، وتحد من الفقر والجوع، وتعزز المساواة بين الجنسين، وتشجع الاستهلاك والإنتاج المسؤولين. في العديد من البلدان النامية، التعاونيات الزراعية هي الأداة الوحيدة التي تمكن المزارعين الصغار من الوصول إلى الأسواق والحصول على أسعار عادلة لمحاصيلهم. في قطاع الإسكان، ساعدت التعاونيات ملايين الأسر في الحصول على مساكن لائقة بأسعار معقولة. في القطاع المالي، توفر البنوك التعاونية الخدمات المصرفية لأفراد ومجتمعات لا تتعامل معها البنوك التقليدية.

الطبيعة القانونية للتعاونيات

من الناحية القانونية، التعاونية هي كيان قانوني مملوك ومسيطر عليه ديمقراطيا من قبل أعضائها. هذا يعني أن الأعضاء هم المالكون المشتركون للتعاونية وهم في نفس الوقت مديروها من خلال الجمعية العامة التي تجتمع بانتظام لاتخاذ القرارات الكبرى. كل عضو لديه صوت واحد بغض النظر عن حجم حصته في رأس المال. هذا المبدأ هو أساس الفرق بين التعاونية والشركة التجارية التقليدية، حيث يكون التصويت على أساس عدد الأسهم. في التعاونية، الناس هم من يهمون وليس رأس المال. الأرباح التي تحققها التعاونية لا توزع على الأعضاء كأرباح على الأسهم، بل توزع كحصة من الفائض تتناسب مع تعاملات كل عضو مع التعاونية، أو يعاد استثمارها في تطوير المشروع.

القوانين المنظمة للتعاونيات تختلف من بلد إلى آخر، لكنها تشترك في المبادئ الأساسية نفسها. في معظم البلدان، يجب على التعاونية أن تسجل ككيان قانوني مستقل وأن تلتزم بقوانين محددة تتعلق بالشفافية المالية والحوكمة الديمقراطية. بعض الدول توفر حوافز ضريبية للتعاونيات دعما لدورها الاجتماعي والتنموي. من المهم أن يفهم الناس أن التعاونية ليست عملا خيريا، بل هي مؤسسة اقتصادية تعمل بكفاءة لتحقيق أهداف أعضائها، لكنها تفعل ذلك ضمن إطار أخلاقي واجتماعي يختلف عن الشركات الربحية البحتة.

التعاونية: مفهومها وأهميتها في التنمية الاقتصادية - 4

أنواع التعاونيات حسب القطاع

تتنوع التعاونيات لتغطي معظم القطاعات الاقتصادية. فيما يلي جدول يوضح الأنواع الرئيسية للتعاونيات ومجالات عملها:

نوع التعاونية مجال العمل أمثلة على الأنشطة
تعاونية زراعية الزراعة والثروة الحيوانية تسويق المحاصيل، توفير المدخلات الزراعية، تقديم القروض الزراعية
تعاونية مصرفية الخدمات المالية تقديم القروض الصغيرة، الحسابات الادخارية، التمويل الجماعي
تعاونية إسكانية السكن بناء المساكن بأسعار مخفضة، إدارة المجمعات السكنية
تعاونية استهلاكية التجارة والخدمات محلات البيع بالتجزئة، توفير السلع بأسعار عادلة
تعاونية إنتاجية الصناعة والحرف تصنيع المنتجات، تسويق المنتجات الحرفية، توفير المواد الخام
تعاونية صحية الرعاية الصحية إدارة المستشفيات والعيادات، توفير التأمين الصحي

هذه الأنواع ليست سوى أمثلة على التنوع الكبير في مجال العمل التعاوني. في كل قطاع، تثبت التعاونيات قدرتها على تقديم خدمات أفضل وبأسعار أقل مقارنة بالشركات الربحية، لأن هدفها الأساسي هو خدمة الأعضاء وليس تعظيم الأرباح.

أهمية التعاونيات في التنمية الاقتصادية

دور التعاونيات في التنمية الاقتصادية يتجاوز مجرد توفير السلع والخدمات. إنها أداة لبناء اقتصاد محلي قوي ومستدام قادر على مقاومة الصدمات الخارجية. التعاونيات تساهم في خلق فرص عمل مستقرة، لأنها لا تسعى إلى خفض التكاليف عن طريق تسريح العمال كما تفعل الشركات التقليدية. بل على العكس، تهدف التعاونيات إلى الحفاظ على الوظائف وتحسين ظروف العمل لأن العمال هم أنفسهم الملاك. هذا يخلق استقرارا في سوق العمل ويقلل من معدلات البطالة، خاصة في المناطق الريفية والأحياء الفقيرة.

التعاونية: مفهومها وأهميتها في التنمية الاقتصادية - 5

علاوة على ذلك، التعاونيات تعزز العدالة في توزيع الثروة. في الاقتصاد الرأسمالي التقليدي، تتركز الثروة في أيدي قلة قليلة من المساهمين وأصحاب الشركات. في التعاونية، تتوزع الفوائد على نطاق واسع بين الأعضاء الذين هم غالبا من الفئات المتوسطة والفقيرة. هذا يقلل من التفاوت الاقتصادي ويساهم في بناء مجتمع أكثر تماسكا. التعاونيات أيضا تساهم في تنمية المهارات وبناء القدرات، لأنها تستثمر في تدريب أعضائها وموظفيها بشكل مستمر. هذا يرفع مستوى الكفاءة والإنتاجية في الاقتصاد المحلي.

كما أن التعاونيات تلعب دورا محوريا في تعزيز الابتكار وريادة الأعمال. من خلال توفير الدعم المالي والفني وتبادل المعرفة، تساعد التعاونيات أعضاءها على تطوير أفكار جديدة وإطلاق مشاريع مبتكرة. هذا يخلق بيئة اقتصادية ديناميكية تزدهر فيها الأفكار الإبداعية. في عصر تشهد فيه الاقتصادات العالمية تقلبات كبيرة، تقدم التعاونيات نموذجا بديلا يجمع بين الاستقرار والمرونة والعدالة الاجتماعية. يمكن الاطلاع على المزيد من المعلومات حول التعاونيات وبياناتها الاقتصادية عبر الموقع الرسمي للتحالف التعاوني الدولي.

العام الدولي للتعاونيات 2025

في خطوة تعكس الأهمية المتزايدة للتعاونيات، أعلنت الأمم المتحدة عام 2025 العام الدولي للتعاونيات تحت شعار تعزيز دور التعاونيات في التنمية المستدامة الشاملة. هذا الإعلان ليس مجرد احتفال رمزي، بل هو دعوة للحكومات والمؤسسات الدولية والمجتمع المدني لدعم وتوسيع نطاق العمل التعاوني كأداة فعالة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة. العام الدولي سيشهد تنظيم العديد من الفعاليات والمؤتمرات والأنشطة على المستوى العالمي والإقليمي والمحلي، بهدف زيادة الوعي بمساهمات التعاونيات في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.

من المتوقع أن يساهم هذا العام في تعزيز السياسات الداعمة للتعاونيات، مثل الإصلاحات القانونية التي تسهل تأسيسها وتشغيلها، والحوافز الضريبية التي تشجع الاستثمار فيها، وبرامج التدريب التي ترفع من كفاءة العاملين فيها. كما سيساعد في بناء شراكات جديدة بين التعاونيات والحكومات والقطاع الخاص، لتعزيز الابتكار وتبادل المعرفة. يمكن متابعة التطورات المتعلقة بالعام الدولي للتعاونيات من خلال موقع الأمم المتحدة الرسمي

التعاونية cooperativa تعاونيات اقتصاد تعاوني تنمية اقتصادية عمل جماعي تنمية مستدامة
تنبيه المعلومات الواردة لأغراض عامة ولا تعد استشارة متخصصة.
المؤلف

Stefano Barcellos

مساهم في Visite Barbados.

« المنشور السابق
عبارات قصيرة لعيد الميلاد مميزة ومعبرة

منشورات ذات صلة